مدرسة حوض نجيح الاعدادية الثانوية المشتركة
اهلا وسهلا بك زائرنا العزيز فى احلى منتدى
(منتدى مدرسة حوض نجيح الاعدادية الثانوية المشتركة)


مدرسة حوض نجيح الاعدادية الثانوية المشتركة مدرسة متميزة بادارة ههيا التعليمية - محافظة الشرقية
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التسامع مع الآخر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد لطفى
عضو نشيط


عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 14/05/2011

مُساهمةموضوع: التسامع مع الآخر   الجمعة 24 يونيو 2011, 8:18 am





لقد
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات التسامح فقال له
تعالى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ } (1) وقال أيضًا: { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } (2)
ومعنى العفو : ترك المؤاخذة بالذنب ، ومعنى الصفح : ترك أثره من النفس (3)
وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح وهو بغية المؤمن الذي يدعو الله
تعالى : { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا }
(4) .
ومن نعم الله علينا وعلى الإنسانية إرسال نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم
بالحنيفية السمحاء رحمة للعالمين ، وهذه الرحمة ذات صور من الود والتسامح
والعفو والتناصح تضافرت نصوصها من القرآن والسنة ، وتجسدت مرحلتها الأولى
في المدينة النبوية من خلال تعامله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين وغيرهم
فقد اجتمعت الأقوال والأفعال فإذا بقاموس يشتمل على جميع مفردات السماحة
يتحرك في شتّى نواحي الحياة ...










سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين إعداد
أ . د . حكمت بن بشير بن ياسين
كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية
الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله العفو الغفور رب العالمين ،
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى من اهتدى بهديه وأخذ
بحكمته إلى يوم الدين .
أما بعد فإن التسامح هو اللين والتساهل ، قال ابن الأثير : والسماحة :
المساهلة ، وقال الفيروزآبادي : وتسامحوا : تساهلوا (1) وهو نوع من أنواع
الإحسان إلى النفوس التي جُبلت على حب من أحسن إليها ، لذا فإن التسامح
يؤدي إلى المحبة والتآلف ونبذ العنف والتنافر ، والتسامح هو : القلب النابض
لحياة طيبة ونفس زكية خالية من العنف والتطرف .
_________
(1) النهاية والقاموس باب س م ح .

(1/1)


--------------------------------------------------------------------------------

لقد
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات التسامح فقال له
تعالى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ } (1) وقال أيضًا: { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } (2)
ومعنى العفو : ترك المؤاخذة بالذنب ، ومعنى الصفح : ترك أثره من النفس (3)
وكونه لم يبق أثره في النفس قمة في التسامح وهو بغية المؤمن الذي يدعو الله
تعالى : { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا }
(4) .
ومن نعم الله علينا وعلى الإنسانية إرسال نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم
بالحنيفية السمحاء رحمة للعالمين ، وهذه الرحمة ذات صور من الود والتسامح
والعفو والتناصح تضافرت نصوصها من القرآن والسنة ، وتجسدت مرحلتها الأولى
في المدينة النبوية من خلال تعامله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين وغيرهم
فقد اجتمعت الأقوال والأفعال فإذا بقاموس يشتمل على جميع مفردات السماحة
يتحرك في شتّى نواحي الحياة .
_________
(1) سورة المائدة آية 13 .
(2) سورة الحجر آية 85 .
(3) انظر فتح القدير للشوكاني 1 / 28 .
(4) سورة الحشر آية 10 .

(1/2)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع
هذا فإن بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين يظن أن الإسلام لا
يعرف العفو والصفح والسماحة ، وإنما جاء بالعنف والتطرف والسماجة ، لأنهم
لم يتحروا الحقائق من مصادرها الأصلية ، وإنما اكتفوا بسماع الشائعات
والافتراءات من أرباب الإلحاد والإفساد الذين عبدوا الشهوات ونهجوا مسلك
الشبهات بما لديهم من أنواع وسائل الإعلام المتطورة ، من أجل ذلك أكتب هذا
البحث لبيان الحق ودمغ الباطل بالأدلة الساطعة والحقائق الناطقة من القرآن
والسنة القولية والفعلية والتاريخ الأصيل .

(1/3)


--------------------------------------------------------------------------------

سماحة
الإسلام في التعامل مع غير المسلمين لم تقتصر سماحة النبي صلى الله عليه
وسلم مع المسلمين فقط بل شملت أهل الكتاب والمشركين أثناء الحرب فقد أوصى
بالقبط خيرًا وثبت عنه أنه قال : « إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا ،
فإن لهم ذمة ورحمًا » (1) .
وفي صحيح مسلم « ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا
فإن لهم ذمة ورحمًا » (2) .
قال النووي : وفي رواية « ستفتحون مصر ، وهي أرض يسمى فيها القيراط ، وفيها
: فإن لهم ذمة ورحمًا » . . . " قال العلماء القيراط جزء من أجزاء الدينار
والدرهم وغيرهما , وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به ، وأما
الذمة فهي الحرمة والحق وهي هنا بمعنى الذمام ، وأما الرحم فلكون هاجر أم
إسماعيل منهم وأما الصهر فلكون مارية أم إبراهيم منهم (3) .
_________
(1) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ( المستدرك 2 / 553 ) وصححه الألباني
في السلسة الصحيحة ح 1374 .
(2) صحيح مسلم -كتاب فضائل الصحابة - 4 / 1970 ح 227 .
(3) شرح مسلم 16 / 97 .

(1/4)


--------------------------------------------------------------------------------

أما
سماحته مع اليهود فعند ما قتل أحد الصحابة في أحد أحياء اليهود في خيبر
فقد رضي وقبل صلى الله عليه وسلم يمين اليهود إذ أقسموا أنهم لم يقتلوه ولم
يعلموا قاتله فقد أخرج البخاري بسنده عن بشير بن يسار قال : « زعم أن
رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا
إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا قتيلًا ، وقالوا للذي وجد فيهم : قد قتلتم
صاحبنا ، قالوا : ما قتلنا وما علمنا قاتلًا ، فانطلقوا إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا ،
قال : الكُبرَ الكبرَ ، فقال لهم تأتون البينة على من قتله ؟ قالوا : ما
لنا بينة ، قال : فيحلفون ، قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود ، فكره رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يُطَّلَّ دمه " فوداه مائة من إبل الصدقة » (1)
.
_________
(1) صحيح البخاري - كتاب الديات - باب القسامة ح 6898 .

(1/5)


--------------------------------------------------------------------------------

قال
ابن حجر : قوله : ( باب القسامة ) بفتح القاف وتخفيف المهملة هي مصدر أقسم
قسمًا وقسامة ، وهي الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم أو
على المدعى عليهم الدم ، وخصّ القسم على الدم بلفظ القسامة ، وقال إمام
الحرمين : القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون ، وعند الفقهاء
اسم للأيمان ، وقال في المحكم : القسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو
يشهدون به ، ويمين القسامة منسوب إليهم ثم أطلقت على الأيمان نفسها ، قال
القرطبي في المفهم : فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن
سياسته وجلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة على سبيل التأليف ، ولا سيما عند
تعذر الوصول إلى استيفاء الحق ، وقال القاضي عياض : هذا الحديث أصل من أصول
الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد ، وبه أخذ جميع
الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من
الحجازيين والشاميين والكوفيين وإن اختلفوا في صور الأخذ به . . . ( فيطلَّ
) بضم أوله وفتح الطاء وتشديد اللام أي يهدر (1) .
قال النووي عند شرحه لهذا الحديث : وفي هذا دليل لصحة يمين الكافر والفاسق
واليهودي (2) .
_________
(1) فتح الباري 12 / 231 - 253 .
(2) شرح مسلم 11 / 147 .

(1/6)


--------------------------------------------------------------------------------

ولو
تتبعنا المعاهدات التي صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا فيها
ضروبًا من التسامح والموادعة والمساواة ، ومن هذه المعاهدات " إعلان دستور
المدينة الذي اشتمل على سبع وأربعين فقرة منها ما يخص موادعة اليهود كما
يأتي :
( 24 - إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .
31 - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا
يوتغ إلا نفسه وأهل بيته .
37 - وإن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على
من حارب أهل هذه الصحيفة ، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم .
45 - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصلحونه ويلبسونه ، وإنهم
إذا دعوا إلى مثل ذلك ، فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين .
46 - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر
المحض من أهل هذه الصحيفة ، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه ،
وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره .

(1/7)


--------------------------------------------------------------------------------

47
- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم ، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن
بالمدينة ، إلا من ظلم وأثم ، وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول
الله صلى الله عليه وسلم ) (1) .
قال ابن زنجويه : وقوله : " إن اليهود يُنِفقون مع المؤمنين ما داموا
محاربين " فهو النفقة في الحرب خاصة ، شرط عليهم المعاونة له على عدوه ،
ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين لهذا الشرط الذي شرط
عليهم من النفقة ، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم .
وقوله : " إن يهود بني عوف أمة من المؤمنين " إنما أراد نصرهم المؤمنين ،
ومعاونتهم إياهم على عدوهم ، بالنفقة التي شرطها عليهم ، فأما الدّين
فليسوا منه بشيء ، ألا تراه قد بين ذلك فقال : لليهود دينهم وللمؤمنين
دينهم ، وقوله " لا يوتغ إلا نفسه " يقول : لا يهلك غيرها (2) .
_________
(1) هذه المعاهدة ورد ذكرها في كتاب الأموال لأبي عبيد ص 292 - 295
والأموال لابن زنجويه 2 / 466 - 470 وسيرة ابن هشام 2 / 92 والروض الأنف 4 /
293 ومجموعة الوثائق السياسية من ص 41 - 50 .
(2) الأموال 2 / 472 .

(1/Cool


--------------------------------------------------------------------------------

وقد
قام بتحليل هذه المعاهدة مؤرخ السيرة أ . د . أكرم بن ضياء العمري ، وأنقل
ما ذكره بخصوص اليهود فقال : قد تناولت البنود من 25 إلى 35 تحديد العلاقة
مع المتهودين من الأوس والخزرج ، وقد نسبتهم البنود إلى عشائرهم من
العربية ، وأقرت حلفهم مع المسلمين ، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين"
وقد وردت العبارة في كتاب الأموال " أمة من المؤمنين " مما جعل أبا عبيد
يقول : " فإنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة
التي شرطها عليهم ، فأما الدين فليسوا منه في شيء ، ألا تراه قد بين ذلك
فقال لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم " (1) أما ابن إسحاق فقد قال : " مع
المؤمنين " وهو أجود ، ولعل ما في كتاب الأموال مصحّف ، وقد كفلت المادة
رقم 25 لليهود حريتهم الدينية ، كما حددت مسئولية الجرائم وحصرتها في
مرتكبها ( إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ - أي لا يهلك - إلا نفسه وأهل بيته
) فالمجرم ينال عقابه وإن كان من المتعاهدين ( لا يحول الكتاب دون ظالم
ولا آثم) . . . كما أن المعاهدة امتدت بموجب البند رقم 45 لتشمل حلفاء
المسلمين وحلفاء اليهود من القبائل الأخرى ، إذ شرطت المادة على كل طرف
مصالحة حلفاء الطرف الآخر
_________
(1) أبو عبيد : الأموال ص 296 .

(1/9)


--------------------------------------------------------------------------------

لكن
المسلمين استثنوا قريشًا " إلا من حارب في الدين " لأنهم كانوا في حالة
حرب معهم (1) .
كما نرى تسامحه مع أهل الكتاب من الذين يعادون ويخالفون فيما يفتي إذ
يتكلمون فيه ويبلغه ذلك ، ثم يقدم لهم الهدية من اللبن أخرج مسلم بسنده عن
أنس « أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم ، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في
البيوت ، فسأل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه
وسلم فأنزل الله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ
أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } إلى آخر الآية فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " ، فبلغ ذلك اليهود
فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه ، فجاء
أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله ! إن اليهود تقول : كذا
وكذا ، فلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن
قد وجد عليهما ، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه
وسلم ، فأرسل في آثارهما ، فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد عليهما » (2) .
_________
(1) المجتمع المدني في عهد النبوة ص 127 ، 128 .
(2) الصحيح - الحيض - ب جواز غسل الحائض رأس زوجها ح 302 .

(1/10)


--------------------------------------------------------------------------------

بل
نجد سماحته مع لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط
ومشاطة وجف طلع نخل ذكر في بئر روان ، وحينما أخبر عائشة بذلك قالت له :
أفلا استخرجته ؟ قال : « قد عافاني ، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرا ،
فأمر بها فدفنت » .
المشاطة وما يخرج من الشعر إذا مشط ، والمشاط من مشاطة الكتان (1) .
وهكذا كان تسامحه مع بعض المنافقين فقد تحمل المنافق عبد الله بن أُبي ابن
سلول قصة الإفك ومع ذلك فقد عفا عنه صلى الله عليه وسلم (2) بل حينما مات
عبد الله بن أُبي غطّاه بقميصه واستغفر له حتى نزل قوله تعالى : {
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } (3) .
_________
(1) صحيح البخاري - كتاب الطب - باب السحر ح 5763 .
(2) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة آل عمران 8 / 78 ح 4566 .
(3) سورة التوبة آية 80 .

(1/11)


--------------------------------------------------------------------------------

كما
عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي « بينما
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم فقال له : اعدل يا رسول الله ، فقال :
ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ قال عمر بن الخطاب : دعني أضرب عنقه ، قال دعه
فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من
الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر
إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر
نضيّه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه - أو
قال ثدييه - مثل ثدي المرأة ، أو قال مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين
فرقة من الناس ، قال أبو سعيد : أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ,
وأشهد أن عليًّا قتلهم وأنا معه ، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال : فنزلت فيه { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي
الصَّدَقَاتِ }» (1) .
إنها غاية السماحة إذ لم ينتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه بل عفا
عنه .
_________
(1) صحيح البخاري - كتاب استتابة المرتدين - باب من ترك قتال الخوارج 12 /
303 ح 6933 .

(1/12)


--------------------------------------------------------------------------------

كما
له مواقف أخرى مع المشركين فقد أخرج النسائي بسنده الثابت عن عبد الله بن
مغفل المزني ، قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في
أصل الشجرة التي قال الله ، وكأني بغصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فرفعته عن ظهره ، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن
عمرو بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اكتب بسم الله
الرحمن الرحيم " فأخذ سهيل يده فقال : ما نعرف الرحمن الرحيم ، اكتب في
قضيتنا ما نعرف ، فقال : " اكتب باسمك اللهم ، هذا ما صالح عليه محمد رسول
الله أهل مكة " ، فأمسك بيده فقال : لقد ظلمناك إن كنت رسولًا ، اكتب في
قضيتنا ما نعرف ، فقال : " اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب ، وأنا رسول الله " ، قال فكتب ، فبينما نحن كذلك ، إذ خرج علينا
ثلاثون شابا عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم النبي صلى الله
عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " هل جئتم في عهد أحد ، أو هل جعل لكم أحد أمانًا " ،
فقالوا : لا ، فخلى سبيلهم ، فأنزل الله عز وجل { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ

(1/13)


--------------------------------------------------------------------------------

أَيْدِيَهُمْ
عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ } إلى قوله { بَصِيرًا }» (1) .
لقد كان بإمكانه أن يأسرهم أو أن يقتلهم ولكن سماحته تأبى ذلك بل قال لهم
ولغيرهم من أهل مكة حينما فتحها : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
فقد تجلّت روح التسامح عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الحرب فقد قال
لهم أيضًا : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن , ومن
ألقى السلاح فهو آمن (2) .
ومن تسامحه مع المشركين أيضًا أنه كان لا يمنع صلة المسلمين بأهلهم
المشركين فقد أخرج البخاري بسنده عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت
: « أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسألت النبي صلى
الله عليه وسلم أصلها ؟ قال: " نعم » (3) .
_________
(1) ( التفسير 2 / 312-314 ح531 ) ، وأخرجه أحمد ( المسند 4 / 86- 87 ) ،
والحاكم (المستدرك 2 / 460-461 ) من طريق الحسين بن واقد عن ثابت به ، قال
الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، وقال الهيثمي : رواه أحمد
ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد 6 / 145) ، وقال ابن حجر: أخرجه أحمد
والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل بسند صحيح ( الفتح 5 / 315 ) ، والحديث
أخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس ( الصحيح 3 / 1411 ح1784 ) بنحوه مختصرًا .
(2) صحيح مسلم - كتاب الجهاد - باب فتح مكة ح 178 .
(3) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب صلة الولد المشرك وباب صلة المرأة
بأمها ولها زوج 10 / 413 ح 5978 و 5979 .

(1/14)


--------------------------------------------------------------------------------

إن
هذا المنهج العملي والقولي في التسامح والارتقاء فوق حظوظ النفس يؤتي أكله
كل حين بإذن الله تعالى ، فقد أثّر في نفوس الصحابة صلى الله عليه وسلم
والتابعين رحمهم الله ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا نرى صورًا ونماذج من
التسامح التي ازدانت بها صفحات التاريخ كالخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى
الله عنه في لون آخر من التسامح مع المشركين فقد أخرج البخاري بسنده عن عبد
الله بن دينار قال: " سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول : « رأى عمر حلة
سيراء (1) تباع ، فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه والبسها يوم الجمعة وإذا
جاءك الوفود ، قال : إنما يلبس هذه من لا خلاق له ، فأُتِيَ النبي صلى الله
عليه وسلم منها بحلل فأرسل إلى عمر بحلة فقال : كيف ألبسها وقد قلت فيها
ما قلت ؟ قال : إني لم أعطكها لتلبسها ، ولكن لتبعها أو تكسوها ، فأرسل بها
عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم » (2) .
وهذا أنموذج آخر في زمن معاوية رضى الله عنه فإن الكفار لمّا نقضوا عهدهم
امتنع المسلمون من قتالهم وقالوا : وفاء بغدر خيرٌ من عذر بغدر (3) .
_________
(1) السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد نوع من البرود يخالطه حرير
كالسُّيور وقيل : الحلة من الحرير وقيل فيها خطوط من إبريسم كالسيور ، انظر
: النهاية في غريب الحديث والأثر (2 / 433-434) .
(2) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب صلة الأخ المشرك 10 / 414 ح 5981 .
(3) انظر تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام للإمام بدر الدين بن جماعة ص
234 .

(1/15)


--------------------------------------------------------------------------------

إنه
ذروة التسامح الذي نهجه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به بقوله : « أد
الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » (1) .
وإليك أنموذجًا آخر في زمن التابعين في درء الحدود فقد أخرج البخاري بسنده
عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس ثم أذن لهم
فدخلوا ، فقال : ما تقولون في القسامة ؟ قالوا القسامة القود بها حق ، وقد
أقادت بها الخلفاء ، قال لي : ما تقول يا أبا قلابة ؟ ونصبني للناس ؟ فقلت :
يا أمير المؤمنين , عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب ، أرأيت لو أن خمسين
منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه ؟ قال: لا ،
قلت : أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم
يروه ؟ قال : لا . . . (2) .
إنه منهج دقيق في التثبت واحتياط رفيق بالمتهم لأن الشبهة قائمة والتهمة لم
يجزم بها بواسطة الرؤية التي هي محور الجزم .
_________
(1) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب البيوع - ح 1264 وحسّنه وهو كما قال .
(2) الصحيح - كتاب الديات - باب القسامة ح 6899 .

(1/16)


--------------------------------------------------------------------------------

السماحة
في التجارة وقضاء الحق كما حث صلى الله عليه وسلم على السماحة في البيع
والشراء فقال : « رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع ، وإذا اشترى وإذا اقتضى »
(1) وهذا النص يشمل التعامل مع المسلم وغير المسلم .
قال ابن حجر : قوله ( رحم الله رجلًا ) يحتمل الدعاء ويحتمل الخبر ،
وبالأول جزم ابن حبيب المالكي وابن بطال ورجحه الداودي . . . قوله (سمحًا)
بسكون الميم وبالمهملتين أي : سهلًا ، وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت . . .
والسمح : الجواد ، يقال : سمح بكذا إذا جاد ، والمراد هنا المساهلة ، قوله :
(إذا اقتضى ) أي طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف . . . وفيه الحض على
السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق ، وترك المشاحة ، والحض على
ترك التضييق على الناس في المطالبة ، وأخذ العفو منهم (2) .
كما رغب وحث صلى الله عليه وسلم على السماحة في القرض وإنظار المعسر فقال :
« تلقت الملائكة رجلًا ممن كان قبلكم فقالوا : أعملت من الخير شيئًا ؟ قال
: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر ، قال : فتجاوزوا عنه »
(3) .
وقد رجح الحافظ ابن حجر أن الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف (4) .
_________
(1) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ح
2076 .
(2) فتح الباري 4 / 307 .
(3) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب من انظر موسرًا ح 2077 .
(4) فتح الباري 4 / 308 .

(1/17)


--------------------------------------------------------------------------------

وهذا
دليل على أن السماحة اشتملت أمورًا كثيرة منها المجال الاقتصادي في البيع
والشراء وهو أمر يتجدد يوميًا ، مما يفصح أن التسامح ليس من الأمور النادرة
بل يتجدد كل حين .

(1/18)


--------------------------------------------------------------------------------

السماحة
في درء الحدود تنعق بعض الهيئات والشخصيات المعادية للإسلام بأن الإسلام
جاء بالسيف وأن بعض الحدود في الإسلام فيها شدة وهدر للدماء وتخلّف في
تنمية الموارد البشرية وهذه شبهة خطيرة تطعن في سماحة الإسلام والجواب أن
حرب الإشاعة قامت ضد الإسلام منذ حادثة الإفك إلى زماننا وهذه الإشاعات ضرب
من ضروب الحرب النفسيّة ، وأنقل لهم قول المشتشرق الألماني د ، ج
كامبفماير ، رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي : ( إن الاعتداء على الإسلام
لا ترجى منه فائدة ، ولن يردّ المسلمين عن دينهم ، ولن يعوق النهضة
الإسلامية بل سيقويها ) (1) ثم ليعلم هؤلاء أن الإسلام استخدم السيف مع
المحاربين الذين يهددون كيان الدولة الإسلامية أما المسالمين فلا ،
فالإسلام يخيّر غير المسلمين بين الدخول في الإسلام أو التعايش مع المسلمين
مع دفع الجزية ، وهي ما يقابل ما يدفعه المسلمون من الزكاة وإلا فالسيف
لحماية بيضة المسلمين ، ولا يسلط السيف على الأطفال والنساء .
_________
(1) انظر وجهة الإسلام ( بإشراف كب ص 35 ) ، ( نقلًا عن كتاب قالوا عن
الإسلام ص 468 ) .

(1/19)


--------------------------------------------------------------------------------

ثم
إن إقامة الحدود الشرعية لا تنفد إلا بنطاق ضيق محدود ، فقد يظن بعض الناس
أن إقامة الحدود في الإسلام كإقامة الصلاة في كثرتها ، والحق أن أحكام
الشريعة الإسلامية تعد بالمئات لكن عدد الحدود التي تقام هي سبعة : الحرابة
( قطع الطريق ) ، والردة ، والبغي ، والزنا ، والقذف ، والسرقة ، وشرب
الخمر ، وإذا نفذت فإنه لا يمكن ذلك إلا بعد مراحل وشروط وذلك بعد التأكد
من وقوع الجريمة وإقامة الحجة على الجاني كالاعتراف أو الشهادة عليه ، وقد
يصل عددهم إلى أربعة شهود في جريمة الزنا ، ويشترط فيهم العدالة وعدم
التهمة مما يدل على التحري والتثبت والاحتياط بهذا العدد الذي انفرد عن
بقية الجرائم الأخرى .
( والحكمة في ذلك أن الله تعالى يحب الستر ، كما أن جريمة الزنا لا تقع إلا
من اثنين فكأن كل شاهدين يشهدان على أحدهما ) (1) .
_________
(1) وسائل الإثبات ص 160 .

(1/20)


--------------------------------------------------------------------------------

قال
ابن القيم ، رحمه الله : " وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة
بغير حجة ، كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم ، وجعل
الحجة التي يأخذهم بها ، إما منهم وهي الإقرار ، أو ما يقوم مقامه من إقرار
الحال وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم ، وهي البينة ، واشترط فيها
العدالة ، وعدم التهمة ، فلا أحسن في العقول والفطر من ذلك ، ولو طلب منها
الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ، ولا أوفق منه للمصلحة " (1) .
_________
(1) أعلام الموقعين عن رب العالمين 2 / 119 .

(1/21)


--------------------------------------------------------------------------------

فعلى
سبيل المثال على قلة تنفيذ الحد لهذه الجريمة فإنه منذ أن نزل حد الزنا لم
نسمع في تاريخ أمة الإسلام أن أُقيم حد الزنا بتوافر أربعة شهود ، وكذلك
لم تحد امرأة حتى لو تمت عليها الشهادة كما في الملاعنة إذا لم تقر بهذه
الجريمة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم الحد على المرأة في
قصة الملاعنة وذلك : « أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه
وسلم بشريك بن سمحاء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "البينة أو حدِّ
في ظهرك " فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس
البيّنة ؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " البيّنة وإلا حد في ظهرك
" ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري
من الحد ، فنزل جبريل وأنزل عليه { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ }
فقرأ حتى بلغ { إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فانصرف النبي صلى الله
عليه وسلم فأرسل إليها فجاء هلال فشهد ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "
إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب " ؟ ثم قامت فشهدت ، فلما
كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة ، قال ابن عباس : فتلكّأت

(1/22)


--------------------------------------------------------------------------------

ونكصت
حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ
الإليتين خدلّج الساقين فهو لشريك بن سمحاء " فجاءت به كذلك ، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن » (1)
إنه تسامح الإسلام ونبي الإسلام .
وحتى لو ثبتت جريمة الزنا بالاعتراف وأقيم حد الرجم فإن هذا الزاني الذي
يرجم لو طلب منهم التوقف عن ذلك لإدلاء ما عنده ما يدفع عنه فينبغي أن يوقف
الرجم ويُسمع منه هل ما يقوله يعتد به أم لا ؟
وقد صح أن ماعز بن مالك فرّ حين وجد مسّ الحجارة ومسّ الموت فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : « هلا تركتموه » ؟ " (2) .
وفي رواية ابن إسحاق بسند جيد . . . « فوجد مسّ الحجارة صرخ بنا : يا قوم
ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي ،
وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي ، فلم ننزع عنه حتى
قتلناه ، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه ، قال :
فهلا تركتموه وجئتموني به » ؟ ليستثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه
(3) .
_________
(1) صحيح البخاري 8 / 303 - 304 ح 4747 - ك التفسير ، سورة النور الآية
نفسها ، ومعنى : سابغ عظيم ، ومعنى خدلّج : ممتلئ .
(2) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه وصححه الألباني ( إرواء الغليل 8 /
28 ح 2360 ) .
(3) قال الشيخ الألباني وهذا إسناد جيد ، ( إرواء الغليل 7 / 354 ) .

(1/23)


--------------------------------------------------------------------------------

أما
المرأة التي تزني وهي حامل فإنه إن ثبت ذلك ووصل الأمر إلى السلطان فإنه
لا يقام عليها الحد إلا بعد أن تضع وليدها وترضعه أو يتكفل غيرها إرضاعه
فإنه حينذاك يقام عليها الحد فيكون لها توبة وطهارة .
فقد ثبت ذلك من السنة النبوية الشريفة (1) .
ولو تأملنا في هذا الحكم لرأينا من حق هذه المرأة على الإمام أن يقيم عليها
الحد لتتم الطهارة والتوبة ، ثم من حق الأمة على الإمام القيام بذلك ، فهي
حقوق قبل أن تكون حدود ، وما أغلى الأعراض والدفاع عن الحياض ؟
_________
(1) انظر صحيح مسلم 3 / 1303 .

(1/24)


--------------------------------------------------------------------------------

فإذا
اكتشف أحدهم برغبة في الوقوع في هذه الجريمة أو ينوي فعلها فإنه ينصح ولا
يؤخذ بنيته ولا يعاقب عليها ، ولقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم
منهاجًا فريدًا في نصح الشاب الذي رغب في الزنا فأراد أن يستأذن النبي صلى
الله عليه وسلم فقال له : « أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله , جعلني الله فداك ،
قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله
يا رسول الله ، جعلني الله فداك ، قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال :
أتحبه لأختك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك , قال : ولا الناس يحبونه
لأخواتهم ، قال : أفتحبه لعمتك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك , قال :
ولا الناس يحبونه لعماتهم , أفتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك
ولا الناس يحبونه لخالاتهم , قال : فوضع يده عليه وقال : " اللهم اغفر له
ذنبه , وطهّر قلبه وحصّن فرجه " قال : فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت لشيء »
(1) .
إن هذه السماحة النبوية لم تعاقب ذلك الشاب ولم تعنفه .
_________
(1) رواه أحمد في المسند ( 5 / 256 , 257 ) ، وقال العراقي : رواه أحمد
بإسناد صحيح ( تخريج إحياء علوم الدين 3 / 1362 ح 2052 ), وصححه الألباني
في ( السلسلة الصحيحة ح 370 ) .

(1/25)


--------------------------------------------------------------------------------

علمًا
أن الصحابة أرادوا أن يزجروه وينهروه عن ذلك لكن تلك السؤالات التي ألقاها
المصطفى صلى الله عليه وسلم على ذلك الشاب كانت درسًا عظيمًا له ولمن سمع
تلك السؤالات ، لأن فيها تذكيرًا بمن سيزني إما بأم أو أخت أو عمّة أو خالة
، وأنه هذّب عواطفه ودغدغ غيرته ، وكذلك حينما يقع الشخص في بعض المحرمات ،
فإن الأصل قبل الحد الستر عليه ، وذلك عند شرب الخمر أو عندما يرى الزنى .
فالقاعدة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ستر عورة مسلم في
الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة » (1) وهذه القاعدة ذروة السماحة .
وإقامة الحدود لا بد أن تكون مقيّدة بالقضاء والسلطان فقد اتفق الفقهاء على
أنه لا يجوز استيفاء الحق في العقوبات في الحقوق الشرعيّة من غير رفع
الأمر إلى القاضي لأنها أمور خطيرة , فيجب الاحتياط في إثباتها واستيفائها
وهي أمور يختص بها الحاكم (2) .
أما إذا وصل أمره إلى السلطان فإنه ينظر في إثبات الجريمة : " فإن الإثبات
يتحقق به حقن الدماء ، وصيانة الأعراض ، ورد الحقوق إلى أصحابها واستتباب
الأمن في المجتمع ، وسيادة الطمأنينة والنظام ، وإن تنظيم الإثبات وتقنينه
علامة على تنظيم الحياة الإنسانية " (3) .
_________
(1) صححه الألباني ( صحيح سنن الترمذي 1574 ) .
(2) انظر تهذيب الفروق للقرافي 4 / 123 ، 124 ومغني الحتاج 4 / 461 طبعة
الحلبي سنة 1377هـ .
(3) وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية ص 35 .

(1/26)


--------------------------------------------------------------------------------

فإذا
كان الحاكم لم تتوافر لديه الإثباتات فإنه لا يقيم الحد بل يدرأ الحد
بالشبهات كما في قصة الملاعنة المتقدمة ، وكما في أمر المقتول من المسلمين
عند يهود خيبر إذ لم يثبت من هو القاتل فدفع النبي صلى الله عليه وسلم
الدية لأهل المقتول بمائة من الإبل (1) .
وفيه درء الحد بالشبهة وهي قاعدة فقهية مشهورة ، وفي ذلك أثر صحيح عن ابن
مسعود موقوفًا " ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم " (2) .
وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « أتى رجل رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو في المسجد فناداه فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه حتى
ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي صلى الله عليه
وسلم فقال : أبك جنون؟ قال : لا ، قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : " اذهبوا به فارجموه » (3) وفي رواية صحيحة أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه ماعز بن مالك قال : « لعلك قبّلت أو
غمزت أو نظرت ؟ قال : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنكتها؟ -
لا يكني - قال : نعم ، قال : فعند ذلك أمر برجمه » (4) .
_________
(1) انظر صحيح البخاري - الديات - باب القسامة ح 6898 .
(2) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بسند ثابت ( انظر إرواء الغليل 8 / 26 ) .
(3) صحيح البخاري - الحدود - باب لا يرجم المجنون والمجنونة ، رقم (6815) .
(4) أخرجه أحمد في المسند 1 / 338 وأبو داود في السنن ح 4427 وصححه
الألباني ( إرواء الغليل 7 / 355 ) .

(1/27)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي
رواية مسلم قال : « جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
يا رسول الله طهرني ، فقال : ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ، قال :
فرجع غير بعيد ، ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ، قال : فرجع غير بعيد ،
ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل
ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم أطهرك ؟
فقال من الزنى » . . . الحديث (1) .
ويستفاد من الحديث أنه لا يمكن إقامة الحد إلا بعد الاعتراف أربع مرات
تعادل أربعة شهود ، وأن الإمام يتأكد من سلامة عقل المعترف ، وفيه أيضًا
السماحة بقوله : ارجع فاستغفر الله وتب إليه .
أما من شهد على أحد بالزنا فإنه لا يكفي إلا بأربعة شهود ، فإن شهد أقل من
ذلك فإنه يقام عليهم حد القذف ، وقد حصل ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضى الله
عنه لما شهد عنده أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة بالزنى
حدّهم حد القذف لما تخلف الرابع زياد فلم يشهد (2) .
_________
(1) صحيح مسلم - الحدود - باب من اعترف على نفسه بالزنى 5 / 119 .
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8 / 334 - 335 وصححه الألباني ( إرواء
الغليل 8 / 29 ) .

(1/28)


--------------------------------------------------------------------------------

وثبت
عن عمر قال : لأن أخطي في الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات
(1) إنها سماحة الخليفة الراشد الذي تربى في مدرسة التسامح .
وقد وردت قواعد فقهية في الشبهات الدارئة للحدود ذكرها سلطان العلماء العز
ابن عبد السلام فقال : الشبهات دارئة للحدود وهي ثلاثة : إحداهن في الفاعل
وهو ظن حل الوطء إذا وطئ امرأة يظنها أنها زوجته أو مملوكته ؛ الثانية شبهة
الموطوءة كوطء الشركاء الجارية المشتركة ، الثالثة في السبب المبيح للوطء
كالنكاح المختلف في صحته .
_________
(1) قال السخاوي : أخرجه ابن حزم في الإيصال له بسند صحيح ( المقاصد الحسنة
ص 30 ) .

(1/29)


--------------------------------------------------------------------------------

فأما
الشبه الأولى فدرأت عن الواطئ الحد لأنه غير آثم ، والنسب الأحق به,
والعدة واجبة على الموطوءة , والمهر واجب عليه ، وأما الشبهة الثانية فدرأت
الحد لأن ما فيها من ملكه يقتضي الإباحة , وما فيها من ملك غيره يقتضي
التحريم , فلا تكون المفسدة فيه كمفسدة كالزنا المحض بل لو أكل الإنسان
رغيفًا مشتركًا بينه وبين غيره لم يأثم بأكل نصيبه مثل إثمه بأكل نصيب
شريكه بل يأثم به إثم الوسائل , وكذلك لو قتل أحد الأولياء الجاني بغير إذن
شركائه أثم ولم يقتص منه ولا يأثم إثم من قتل من لا شريك له في قتله ,
وكذلك الوسائل إلى المصالح لا يثاب عليها مثل ثواب المصالح , فإن صلاة من
فاتته صلاة من صلاتين لزمه أداؤهما , ولا يثاب على الوسيلة منهما مثل ثواب
الواجبة منهما , ولذلك فعلهما بتيمم واحد على الأصح , وأما الشبهة الثالثة
فليس اختلاف العلماء هو الشبهة . . . وإنما غلب درء الحدود مع تحقق الشبهة
لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان , والحدود أسباب
محظرة فلا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها (1) .
_________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2 / 137 .

(1/30)


--------------------------------------------------------------------------------

أما
الذنوب الصغائر التي دون الحد فقد يعفى عنها إذا كان الذي وقع بالذنب
معروف بالصلاح فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أقيلوا ذوي
الهيئات عثراتهم إلا الحدود » (1) .
والمعنى أي اعفوا عن أصحاب الخصال الحميدة زلاتهم ما دون الحدود (2) .
ويمكن أن يُعرف هؤلاء من العبادات كحضور صلاة الجماعة بدليل ما ثبت عن أبي
أمامة رضى الله عنه « أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول
الله ، إني أصبت حدا فأقمه عليَّ قال : توضأت حين أقبلت ؟ قال : نعم ، قال
: هل صليت معنا حين صلينا ؟ قال : نعم ، قال : اذهب فإن الله تعالى قد عفا
عنك » (3) وهذا الحديث يؤكد الحديث السابق ويبينه .
قال النووي وجماعة : إن الذنب الذي فعله كان من الصغائر (4) .
هذا بالنسبة للسماحة والعفو والتيسير في دين الإسلام يقول المستشرق لويس
يونغ : إن أشياء كثيرة لا يزال على الغرب أن يتعلمها من الحضارة الإسلامية
منها نظرة العرب المتسامحة (5) .
_________
(1) أخرجه أبو داود في السنن - الحدود - باب في الحد يشفع فيه ج 4375
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ج 465 وابن حبان في صحيحه ( الإحسان ح 1520
) وقواه ابن حجر وحسنه صلاح الدين العلائي ( انظر بذل المجهود 17 / 316)
وصححه الألباني بمجموع طرقه ( السلسلة الصحيحة ح 638 ) .
(2) انظر بذل المجهود 17 / 315 - 316 .
(3) أخرجه أبو داود في السنن - الحدود - باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه ح
4381 ، ومعنى لا يسميه أي : لا يعنيه ( بذل المجهود 17 / 325 ) وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود ح 3682 .
(4) انظر بذل المجهود 17 / 326 .
(5) انظر العرب وأوربا ص 10 نقلًا عن قالوا عن الإسلام ص 327 .

(1/31)


--------------------------------------------------------------------------------

أما
بالنسبة لإقامة الحدود فإن الحدود التي يثار حولها الجدل في حقوق الإنسان
كالقتل والرجم وقطع اليد فلو نظرنا في الحدود بالشرائع والقوانين السابقة
للبعثة النبوية الشريفة لوجدناها متفقة مع حدود الإسلام ومتفقة في كثير من
الأحكام كما في التوراة والإنجيل وشريعة نوح وصحف إبراهيم وموسى .
وهذه الأشباه بين الشريعة الإسلامية وأهل الكتاب وما فيها من الصحيح غير
المحرف تدل على أن الشرائع السماوية متشابهة في كثير من الأحكام وأن مصدرها
واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، ولكن ما حصل من تحريف عند أهل الكتاب غيّر
بعض الأحكام وأكبر دليل رجم الزاني ففي التوراة ورد صريحا كما أقر بذلك عبد
الله بن سلام رضى الله عنه .
وهذا لا يعني أن الإسلام تأثر بمن سبق من الرومان أو أهل الكتاب بل جاء
بالقرآن العظيم المهيمن على بقية الكتب وخاتم الرسل ليكون صالحًا لكل زمان
ومكان ، قال الله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ }
(1) .
_________
(1) سورة المائدة ( 48 ) .

(1/32)


--------------------------------------------------------------------------------

قال
الإمام الطبري : يقول : أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها
إلى أنبيائه { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } يقول : أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه
إليك يا محمد مصدّقًا للكتب قبله ، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله
أمينًا عليها حافظًا لها (1) .
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله : { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } قال
: والمهيمن الأمين ، قال : القرآن أمين على كل الكتب قبله (2) .
وأخرج الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري قال : مصدقًا لهذه الكتب وأميناَ
عليها (3) .
_________
(1) جامع البيان 8 / 486 .
(2) أخرجه الطبري 8 / 488 وابن أبي حاتم 4 / 1150 والبيهقي في الأسماء
والصفات ص 109 كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .
(3) التفسير 8 / 489 .

(1/33)


--------------------------------------------------------------------------------

وما
نراه من القوانين والمواثيق المستمدة من الكتب السماوية - قبل تحريفها -
ما قبل الإسلام عند اليونان والرومان وغيرهم ، وما ورد ذكره في القرآن
والسنة من شريعة الأنبياء والمرسلين كصحف إبراهيم وموسى نرى كثيرا منها
متفقة مع شريعة الإسلام قال الله تعالى : { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا
بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
}{ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ
مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ }{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ
كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ
رَبُّنَا

(1/34)


--------------------------------------------------------------------------------

وَرَبُّكُمْ
لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } (1) فنرى
ما شرعه الله تعالى لنا قد شرعه على الأمم السابقة في زمن نوح وإبراهيم
وعيسى وموسى صلوات الله وسلامه عليهم التي ذكرت في هذه الآيات الكريمة .
وذكر الأصولي الغزالي أنه لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا
والسرقة وشرب المسكر (2) وقد نقل هذا القول محمد أبو زهرة ثم علق بأن
المصالح الخمسة التي يعد طلبها ضرورة إنسانية متفق عليها بين الناس
والمحافظة عليها بفرض عقوبات للاعتداء عليها يعد من الأمور البدهية التي لا
تختلف فيها العقول ولا تختلف فيها الأديان (3) .
وبعد ذلك نرى سماحة الإسلام في دفع الدعوى وحق الدفاع عن النفس ، فللمدعى
عليه أن يدافع عن نفسه وذلك بإسقاط الخصومة عن المطلوب وإثبات عدم صحة
توجيه المطالبة إليه ، أو إسقاط دعوى المدعي وإثبات عدم توجه أي حق له على
المطلوب ، ومن هذا المفهوم عرف بعض الفقهاء " دفع الدعوى " بأنه دعوى من
قبل المدعى عليه أو ممن ينتصب المدعى عليه خصمًا عنه يقصد بها دفع الخصومة
عنه أو إبطال دعوى المدعي (4) .
_________
(1) سورة الشورى آية 13 - 15 .
(2) انظر المستصفى 1 / 288 .
(3) انظر الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي 2 / 41 ط دار الفكر العربي .
(4) انظر الأصول القضائية ص 54 والمرافقات الشرعيّة ص 48 نقلًا عن كتاب
نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافقات المدنية والتجارية أ .
د . محمد نعيم ياسين طبعة - دار عالم الكتب - الرياض ص 586 .

(1/35)


--------------------------------------------------------------------------------

سماحة
الإسلام في حالات الضرورة وقد راعى الإسلام عدم إقامة الحدود في حالات
الضرورة في حالة الإكراه والجوع والفقر ، فالمكره على الزنا لا يقام عليه
الحد ، وكذلك حد السرقة في المجاعة كعام الرمادة في زمن عمر بن الخطاب رضى
الله عنه وقد درس أ . د . وهبة الزحيلي حالات الضرورة وتوصل إلى أربع عشرة
حالة وهي : ضرورة الغذاء ( الجوع أو العطش ) والدواء ، والإكراه ، والنسيان
، والجهل ، والعسر أو الحرج وعموم البلوى ، والسفر ، والمرض ، والنقص
الطبيعي (1) .
فكل هذه الحالات لها أحكامها ورخصها وتسهيلاتها وعدم المؤاخذة فيها ، وهذا
من عظمة هذا الدين أن يراعي هذه الحالات وما فيها من السماحة والعفو
والتوسيع على الناس وعدم التضييق والتشديد والحرج .
_________
(1) انظر نظرية الضرورة الشرعية ص 73 ، 74 .

(1/36)


--------------------------------------------------------------------------------

قال
القانوني الفرنسي " لامبير " : تعتبر نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي
أكثر جزمًا وشمولًا من فكرة وجد أساسها في القانون الدولي العام في نظرية
الظروف المتغيرة ( شرط بقاء الحال على ما هو عليه ) وفي القضاء الإداري
الفرنسي في نظرية الظروف الطارئة ، وفي القضاء الإنجليزي فيما أدخله من
المرونة على نظرية إيقاف تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي
نشأت بسبب الحرب وفي القضاء الدستوري الأمريكي في نظرية الحوادث المفاجئة
(1) .
_________
(1) انظر المصدر السابق ص 315 .

(1/37)


--------------------------------------------------------------------------------

ونجد
تأثر المدرسة القانونية الألمانية وكذلك المدرسة القانونية الفرنسية
الإنجلو *** ونية بالفقه الإسلامي في نظرية الضرورة الشرعية يقول أ . د .
وهبة الزحيلي : " تقوم نظرية الضرورة في القانون العام على نفس الأسس التي
يبنى عليها حق الدفاع الشرعي في القانون الجنائي ، لأن دفاع الدولة عن
نفسها كدفاع الإنسان عن نفسه ضد ما تهدده من أخطار ، والشرائع جميعها متفقة
في اعتبار الدفاع الشرعي من موانع العقاب ، إلا أنها مختلفة في الأساس
الذي يبنى عليه هذا الحق وفي حدوده ومداه ، وذلك على رأيين . . . يرى أن
الدفاع من أسباب إباحة ما يرتكب بسببه من أفعال ، ورأي آخر يقول : إن
الدفاع مجرد عذر مانع من المسئولية الجنائية ، وقد أخذت المدرسة الألمانية
ومثلها في الجملة الفقه الإسلامي بالرأي الأول ، وأخذت المدرسة الفرنسية
الإنجلو *** ونية بالرأي الثاني ، وهو يوافق بعض حالات الرخصة في الفقه
الإسلامي (1) .
_________
(1) انظر نظرية الضرورة الشرعية ص 73 ، 315 ، 308 .

(1/38)


--------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التسامع مع الآخر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدرسة حوض نجيح الاعدادية الثانوية المشتركة :: المعلومات العامة-
انتقل الى: